أحمد بن علي القلقشندي
182
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
ويا ليتني لمّا ولدت وأصبحت تشدّ إليّ الشّدقميّات ( 1 ) بالرّحل ، لحقت بأسلافي فكنت ضجيعهم ولم أر في الإسلام ما فيه من ثكل وكان الملك المغيث فتح الدين عمر بن العادل أبي بكر بن الكامل محمد بن العادل أبي بكر بن أيوب معتقلا بالشّوبك ، فأخرجه الصوابي نائب الملك الصالح وملَّكه الكرك فبقي بها حتّى قبض عليه الملك الظاهر بيبرس وقتله في سنة إحدى وسبعين وستمائة ، وهو آخر من ملكها من بني أيوب . قلت : وأما غير هذه الممالك كحمص وبعلبكّ فإنما كانت في الغالب تبعا لغيرها حتّى إن حمص وبعلبكّ حين استولت التتار على الشام في آخر الدولة الأيوبية كانتا مضافتين إلى دمشق . واعلم أن غالب أطراف البلاد الشامية ومضافاتها كانت بأيدي ملوك متفرّقة من قديم الزمان وبعضها حدث انفراده ، ثم تنقلت بها الأحوال حتّى استولى على كثير منها أهل الكفر ، وصارت بأيديهم إلى أن قيّض اللَّه تعالى لها من فتحها ؛ ثم استعاد أهل الكفر منها ما استعادوا ، ثم فتح ثانيا على ما يأتي ذكره إن شاء اللَّه تعالى . من ذلك القدس ( 2 ) - كانت بيد تتش بن ألب أرسلان السّلجوقيّ صاحب دمشق المتقدّم ذكره . كان قد أقطعها للأمير أرتق جدّ ملوك ماردين الآن . فلما توفّي أرتق المذكور صار القدس لولديه ايلغازي وسقمان ، وبقي بيديهما إلى أن انتزعه منهما ( المستنصر الفاطميّ ) في سنة تسع وثلاثين وأربعمائة ، وبقي بيده إلى أن ملكه الفرنج منه في سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة ، بعد أن بذلوا السيف في المسلمين نحو سبعة أيام وقتلوا في المسجد الأقصى ما يزيد على تسعين ألف
--> ( 1 ) في اللسان : 12 / 320 بالدال المهملة . ( 2 ) لناصر خسرو وصف دقيق وبديع لبيت المقدس في كتابه الذي وضعه على أثر رحلته إلى لبنان وفلسطين ومصر والجزيرة العربية في القرن الخامس الهجري وقد سمّاه « سفرنامة » . ( سفرنامة : من 56 - 76 ) .